من القُمرة إلى الكاميرا: كيف غيّر الحسن بن الهيثم رؤيتنا للصورة والعالم؟
بواسطة momez ·

يستعرض المقال تطوّر التصوير منذ تجربة ابن الهيثم بالغرفة المظلمة، مرورًا باختراع أول صورة فوتوغرافية، ووصولًا إلى الكاميرات الرقمية الحديثة، موضحًا كيف أثّرت الاكتشافات العلمية في فهم الضوء وآلية الرؤية، ومسلطًا الضوء على العلاقة المدهشة بين العين البشرية والكاميرا.
في عصور ما قبل اختراع الكاميرا، لم يكن الإنسان يملك وسيلةً لحفظ المشاهد سوى من خلال وصفها بالكلمات، أو تخزينها في ذاكرته المتقلبة. أما اليوم، فأصبح من السهل تجميد لحظةٍ من الزمن في "صورة"، ومشاركتها مع الآخرين حول العالم. هذه القفزة في القدرة على التوثيق لم تكن وليدة الصدفة، بل بدأت منذ أكثر من ألف عام، مع عالم بصري عبقري يُدعى الحسن بن الهيثم . العين بين وهم الفلاسفة والعلم الحقيقي في الفلسفة الإغريقية، ساد اعتقاد بأن العين تصدر أشعة ضوئية تساعدها على رؤية العالم، وهو رأي تبناه الفيلسوف "أمبادوقليس". ولكن هذا التصور بقي حبيس الظنون إلى أن جاء ابن الهيثم ، الذي نقض هذه النظرية من جذورها. وبيّن أن العين لا تبعث الضوء، بل تستقبله ، وكان ذلك من خلال تجارب علمية دقيقة دونها في كتابه الشهير: "كتاب المناظر" ، والذي يُعد حجر الأساس لعلم البصريات الحديث. ومن خلال اتباعه المنهج العلمي في التحقق من الفرضيات، توصّل ابن الهيثم إلى ابتكار تجربة عُرفت لاحقًا باسم الغرفة المظلمة (Camera Obscura) ، وهي عبارة عن صندوق أو غرفة مُغلقة تسمح بمرور الضوء من خلال فتحة صغيرة، فينعكس مشهد العالم الخارجي على الجدار المقابل داخل الغرفة. عندما أصبحت الفكرة صورة: ولادة أول فوتوغراف ظل الفنانون لقرون يستخدمون فكرة الغرفة المظلمة لرسم العالم الواقعي بدقة، ولكن التحوّل الجذري حدث في القرن التاسع عشر، على يد العالم الفرنسي جوزيف نيسيفور نييبس . خطرت له فكرة استبدال الجدار الذي تنعكس عليه الصورة بمادة تحتفظ بالضوء، فقام باستخدام مادة طبيعية تُعرف باسم البيوتمن (نوع من الزفت الحساس للضوء)، ووضعها على صحن داخل غرفة مظلمة صغيرة، ثم عرضها لأشعة الشمس لمدة ثماني ساعات. والنتيجة؟ أول صورة فوتوغرافية في التاريخ . لاحقًا، جاء العالم لويس داجير ، وطوّر الأسلوب باستخدام مادة جديدة هي يوديد الفضة ، والتي كانت أكثر تفاعلًا مع الضوء، مما أتاح التقاط أول صورة لإنسان. ومن هنا انطلقت شرارة التصوير الفوتوغرافي الحديث. الكاميرا الحديثة: تطور في الوسيلة، ثبات في الفكرة ظلت المبادئ الأساسية للتصوير ثابتة: غرفة مظلمة، مصدر ضوء، وعدسة تنقل الصورة إلى سطح حساس. أما التطور فقد حدث في المواد المستخدمة. وفي عام 1888، جاء المخترع الأمريكي جورج إيستمان ، مؤسس شركة "كوداك"، الذي أحدث ثورة في عالم التصوير. ابتكر كاميرا تُباع مع فيلم بداخلها، تُمكّن المستخدم من التقاط مئة صورة. ثم يُرسل الفيلم إلى الشركة ليتم تحميض الصور، وتُعاد الكاميرا مع شريط جديد. بذلك أصبحت الكاميرا أداة شعبية في متناول الجميع. الكاميرا الرقمية: تحوّل المادة إلى إشارات في الكاميرات الرقمية، لا يختلف المبدأ عن الغرفة المظلمة. الضوء يمر من خلال العدسة إلى داخل الجهاز، ولكن بدلاً من مواد كيميائية، أصبح لدينا حساس إلكتروني (Sensor) يحتوي على ملايين البكسلات ، وكل بكسل يقوم بفلترة لون معين (أحمر، أخضر، أو أزرق). وعندما يصل الضوء إلى هذه الفلاتر، يُحوّل إلى إشارات كهربائية (فولتية) تُترجم لاحقًا إلى بيانات رقمية تمثل الصورة. العين البشرية: كاميرا بيولوجية تفوق التكنولوجيا العين البشرية تعمل بأسلوب مشابه بشكل مدهش. فالضوء يدخل من خلال القرنية والعدسة ليركّز على "النقطة البؤرية"، حيث توجد خلايا مستقبلات الضوء ، وهي خلايا حساسة للألوان (أحمر، أخضر، أزرق)، بالإضافة إلى مستقبلات متخصصة في الرؤية الليلية (أبيض وأسود). وعند وصول الضوء، تحدث سلسلة تفاعلات كيميائية تُحوّل الضوء إلى إشارات عصبية تُرسل إلى الدماغ ليتم تفسيرها. المدهش أن الصورة التي تدخل إلى العين تكون مقلوبة، ولكن الدماغ يُعيد ضبطها تلقائيًا لتظهر بالصورة الصحيحة! "قُمرة" أم "كاميرا"؟ الأصل اللغوي بين التراث والحداثة يرى بعض الباحثين أن مصطلح " كاميرا " مشتق من الكلمة العربية "قُمرة"، والتي استخدمها ابن الهيثم لوصف الغرفة المظلمة. بينما يشير آخرون إلى أنها قد تكون مشتقة من تعبير لاتيني يعني "كما يُرى". ورغم اختلاف الآراء، إلا أن الثابت أن الحسن بن الهيثم كان الرائد الذي فتح لنا آفاق التصوير وفهم الضوء، وأن الكاميرا – بأبسط مفاهيمها – هي تجسيد مادي لإرثه العلمي العميق. خاتمة: حين يتحول الضوء إلى ذاكرة من القُمرة التي صمّمها ابن الهيثم، إلى الكاميرا التي نحملها في هواتفنا الذكية اليوم، تبقى الفكرة الجوهرية واحدة : التقاط الضوء وتحويله إلى صورة. وإن كانت العدسات والحساسات والبرمجيات قد تطورت، إلا أن الأساس ظل ثابتًا، بفضل عبقرية عالمٍ سبق زمانه، وأهدى البشرية علمًا لا تزال تكتشف أبعاده حتى اليوم.